مقدمة

قلّما تنتج منظومة قانونية في العالم نتائج أغرب مما ينتجه قانون الإيجار في مصر. ففي الشارع الواحد بالقاهرة، قد تدفع أسرة ما يعادل بضعة دولارات شهرياً عن شقة واسعة استأجرها أجدادها في ستينيات القرن الماضي، بينما تدفع الأسرة المجاورة إيجاراً سوقياً يفوق ذلك أربعين ضعفاً عن شقة مماثلة تعلوها بطابق واحد. كلا الوضعين قانوني تماماً، لأن مصر أدارت عقوداً طويلة نظامين متوازيين للإيجار في وقت واحد.

الأول نظام «الإيجار القديم»، وهو سلسلة قوانين من القرن العشرين جمدت القيم الإيجارية وجعلت العقود شبه دائمة وقابلة للتوريث. والثاني نظام «الإيجار الجديد» الذي أرساه القانون رقم 4 لسنة 1996 فأعاد العقود السوقية المعتادة لكل ما أُجر بعد ذلك العام. وفي عام 2025، بعد سنوات من النقاش البرلماني وحكم حاسم من المحكمة الدستورية العليا، أقرت مصر القانونين رقمي 164 و165 لسنة 2025 اللذين يبدآن إنهاءً تدريجياً للنظام القديم. يشرح هذا الدليل كيف يعمل كل نظام، وماذا يغير الإصلاح، وما الذي يعنيه عملياً للمستأجرين والملاك.

نظام الإيجار القديم: مجمد في الزمن

نشأ نظام الإيجار القديم من رحم الطوارئ. فمنذ سقوف الإيجار التي فُرضت نحو عام 1920، وما تلاها من قوانين في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وضعت الدولة حداً أقصى للقيم الإيجارية، وقيّدت الإخلاء بشدة، وسمحت بانتقال العقود إلى الأقارب المقيمين مع المستأجر. كان القصد حماية اجتماعية: إبقاء السكن في المتناول عبر الحرب والثورة والنمو العمراني السريع. واستقرت القوانين رقم 49 لسنة 1977 ورقم 136 لسنة 1981 في الإطار الذي عرفه المصريون باسم الإيجار القديم، شاملاً الوحدات السكنية وغير السكنية معاً.

الآثار الجانبية طويلة الأمد كانت عميقة. فمع امتداد العقود تلقائياً وثبات القيم الإيجارية عقوداً، انكمشت إيجارات الشقق الفاخرة في وسط القاهرة والإسكندرية إلى مبالغ رمزية، أحياناً حفنة من الجنيهات حرفياً، بينما ظل الملاك مسؤولين عن مبان لا يستطيعون استردادها ولا الربح منها. وتدهورت الصيانة، وفقد المالك حافز الاستثمار، وبقيت ملايين الوحدات مغلقة بدلاً من دخول سوق إيجار لا يعرض على أصحابها عائداً منطقياً؛ وطالما أشارت بيانات التعداد الرسمية إلى مخزون هائل من المساكن الشاغرة، وهو خلل يتكرر ذكره في نقاش الإصلاح.

نظام الإيجار الجديد منذ 1996

رسم القانون رقم 4 لسنة 1996 خط الفصل. فكل عقد أبرم بعد سريانه صار عقداً عادياً خاضعاً للقانون المدني: يتفق المالك والمستأجر بحرية على القيمة الإيجارية والمدة، وينتهي العقد بانقضاء أجله، والتجديد بالتراضي لا بقوة القانون. والأهم أن القانون لم يطبق بأثر رجعي، فاحتفظت العقود السابقة عليه بحماية الإيجار القديم، ولهذا تعايشت المنظومتان منذ ذلك الحين.

في ظل النظام الجديد، تتبع قواعد الإخلاء العقد والقانون المدني، ومقدم الحجز والزيادات السنوية رهن بما يتفاوض عليه الطرفان، ولا يتجاوز أمان المستأجر مدة العقد المكتوبة. وكل من يستأجر مسكناً في مصر اليوم يوقع غالباً هذا النوع من العقود، لمدة تتراوح عادة بين سنة وثلاث سنوات، بقيمة إيجارية تحددها السوق وزيادات تُتفاوض عند التجديد.

إصلاح 2025: القانونان 164 و165

تراكم الضغط لحسم ازدواجية المنظومة سنوات طويلة. فحكمت المحكمة الدستورية العليا في نوفمبر 2024 بجواز تنظيم المشرع للعلاقة الإيجارية القديمة، فأزاح العقبة الدستورية الرئيسية. ثم قدمت الحكومة مشروع قانون إلى البرلمان في مايو 2025، فواجه معارضة غير معتادة داخل المجلس، وعادت بنسخة معدلة أطالت الفترة الانتقالية للمساكن. والنتيجة، بعد التصديق في أغسطس 2025، القانونان رقما 164 و165 لسنة 2025، ويعملان على النحو التالي:

  • عقود الإيجار القديم صار لها تاريخ انتهاء. تنتهي عقود الإيجار القديم السكنية بعد سبع سنوات من بدء سريان القانون، وتنتهي العقود غير السكنية للأفراد بعد خمس سنوات. وبعد الفترة الانتقالية تُلغى القوانين القديمة وتخضع جميع العقود للقانون المدني كأي عقد جديد.
  • القيم الإيجارية تقفز فوراً ثم سنوياً. تصنف لجان في كل محافظة المناطق إلى مميزة ومتوسطة واقتصادية. وتُعاد تسوية الإيجارات السكنية إلى 20 ضعف القيمة القانونية القديمة في المناطق المميزة بحد أدنى يقارب 1000 جنيه شهرياً، وإلى 10 أمثالها في المناطق المتوسطة والاقتصادية بحدين أدنيين يقاربان 400 و250 جنيهاً على الترتيب؛ أما الوحدات غير السكنية فتُسوَّى قيمتها إلى خمسة أمثال القيمة القديمة. وتُطبق بعد ذلك زيادة سنوية قدرها 15 بالمئة طوال الفترة الانتقالية.
  • حالات الإخلاء تتسع باعتدال. يجوز للمالك طلب الإخلاء أمام قاضي الأمور المستعجلة إذا ظلت الوحدة مغلقة أكثر من عام دون مبرر، أو إذا امتلك المستأجر عقاراً آخر صالحاً للغرض ذاته، مع بقاء حق المستأجر في رفع دعوى موضوعية.
  • صمام أمان للمستأجرين الأشد حاجة. يحصل مستأجرو الإيجار القديم الملتزمون بإخلاء وحداتهم على أولوية في وحدات سكنية أو تجارية تتيحها الدولة، وفق إجراءات تخصيص تصدر بقرار.

ماذا يعني ذلك للمستأجرين والملاك؟

الخطوة العملية الأولى لأي مستأجر في مصر معرفة النظام الذي يحكم مسكنه، ويتقرر ذلك بسؤال واحد: متى أبرم العقد لأول مرة؟ فالعقود اللاحقة لعام 1996 تحكمها بنودها المكتوبة، ولذا اقرأ بندي المدة والزيادة بعناية قبل التوقيع، واحتفظ بإيصالات كل دفعة.

أما مستأجرو الإيجار القديم، فيعني الإصلاح لهم يقيناً بشأن موعد نهائي مع قدر من التوقع: ترتفع القيم الإيجارية بمضاعفات محددة وبحدود دنيا معلنة بدلاً من القفز إلى أسعار السوق بين ليلة وضحاها، وتمتد مرحلة الإنهاء سنوات لا شهوراً، ومن لا يطيق القيم الجديدة منهم يستطيع التقدم لأولوية الإسكان الحكومي. وللملاك، يعيد القانونان مساراً لاسترداد عقاراتهم المجمدة منذ عقود وفق جدول زمني معلن، مع توضيح الإجراءات القضائية لحالات الإخلاء المحددة. ونظراً للمبالغ التي أصبحت على المحك، يحسن بالطرفين توثيق حالة الوحدة وسلسلة العقود وسجل الدفعات، لأن قرارات لجان التصنيف ودعاوى الإخلاء ستقوم على المستندات.


المصادر

  1. الهيئة العامة للاستعلامات — البوابة الحكومية الرسمية للتشريعات وسياسات الدولة
  2. ديلي نيوز إيجيبت — تقرير عن التصديق على تعديلات قانون الإيجار القديم في أغسطس 2025
  3. معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط — تحليل لإصلاح الإيجار القديم والنقاش البرلماني حوله
  4. الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء — بيانات التعداد الرسمية وإحصاءات الوحدات السكنية في مصر

الأسئلة الشائعة

ما قانون الإيجار القديم في مصر؟

الإيجار القديم سلسلة قوانين من القرن العشرين وضعت سقفاً للقيم الإيجارية، وجعلت العقود تمتد تلقائياً وتنتقل بالتوريث، وقيّدت الإخلاء بشدة للعقود المبرمة قبل عام 1996. وبقيت القيم الإيجارية في ظل هذه العقود مجمدة عند مستويات رمزية عقوداً طويلة، غالباً بضعة جنيهات شهرياً.

ما الفرق بين الإيجار القديم والإيجار الجديد في مصر؟

يشمل الإيجار القديم عقود ما قبل 1996 بقيم مجمدة وشغل شبه دائم للوحدة. أما الإيجار الجديد، بموجب القانون رقم 4 لسنة 1996، فيشمل كل ما أُجر بعد ذلك: القيمة والمدة يتفق عليهما بحرية، وينتهي العقد بانقضاء أجله المكتوب.

هل يستطيع المالك إخلاء مستأجر الإيجار القديم في مصر؟

تاريخياً كان ذلك شبه مستحيل خارج حالات ضيقة كالهدم أو الهجر الطويل. ويضيف إصلاح 2025 حالات أوضح، منها إغلاق الوحدة أكثر من عام دون مبرر أو امتلاك المستأجر عقاراً آخر صالحاً للغرض ذاته، ويحدد مواعيد ثابتة لانتهاء العقود القديمة ذاتها.

ماذا يغير إصلاح الإيجار لعام 2025؟

ينهي القانونان رقما 164 و165 لسنة 2025 الإيجار القديم تدريجياً: تنتهي العقود السكنية بعد سبع سنوات من سريان القانون وغير السكنية بعد خمس. وتُعاد تسوية القيم إلى مضاعفات من القيمة القديمة بحدود دنيا بحسب تصنيف المنطقة، مع زيادة سنوية 15 بالمئة خلال الفترة الانتقالية، وأولوية سكن حكومي للمستأجرين المستحقين.

هل ما زالت عقود الإيجار القديم قائمة في مصر؟

نعم، لا تزال ملايين منها سارية خلال الفترة الانتقالية، لكنها صارت تحمل تاريخ انتهاء. وحين تُغلق نافذة السنوات السبع للمساكن، تُلغى القوانين القديمة ويتحول كل عقد إلى عقد عادي خاضع للقانون المدني.


عن الكاتب

فريق تحرير doyouknow.app — نتابع التشريعات عبر القنوات الرسمية ووسائل الإعلام المصرية الموثوقة، وننبه إلى أن الإصلاحات القانونية بهذا الحجم يصحبها عادة قرارات تنفيذية، لذا ننصح من يواجه نزاعاً فعلياً باستشارة محامٍ مرخص.


هل أعجبك المقال؟

شارك عبر واتسابشارك عبر واتساب

احصل على المزيد من الأدلة في بريدكاشترك في نشرتنا البريدية للحصول على قصص أسبوعية مثيرة للاهتمام من مصر والسعودية ودبي وأكثر.