مقدمة

كان التحنيط في مصر القديمة عملية حفظ متعمدة ومتطورة تقنياً ومتجذرة في المعتقد الديني، وليس مصادفة ناجمة عن مناخ الصحراء. وكان المصريون يعتقدون أن الروح، المكونة من عدة أجزاء متمايزة من بينها الـ«كا» والـ«با»، تحتاج إلى جسد مادي متكامل يمكن التعرف عليه للعودة إليه بعد الموت؛ فبدون الحفظ، لا يمكن أن تنجح رحلة العالم الآخر. وما بدأ كتجفيف طبيعي بسيط في مقابر صحراوية ضحلة تطور، على مدى نحو 3000 عام، إلى صناعة تحنيط متقنة بكهنة متخصصين وورش عمل ومستويات أسعار.

وتأتي معرفتنا التفصيلية بهذه العملية أساساً من المؤرخ اليوناني هيرودوت، الذي كتب حوالي عام 450 قبل الميلاد، مدعومة بالتحليل العلمي الحديث لرفات المومياوات الفعلية باستخدام الأشعة المقطعية وتقنيات أخرى غير جراحية.

عملية التحنيط خطوة بخطوة

كان المحنطون يزيلون أولاً الأعضاء الداخلية الأكثر عرضة للتحلل السريع. وكان الدماغ يُستخرج عبر فتحتي الأنف باستخدام أداة معقوفة، وهي عملية كانت تدمر نسيج الدماغ نفسه لأن المصريين لم يعتبروا الدماغ عضواً مهماً للحفظ. أما الكبد والرئتان والمعدة والأمعاء فكانت تُزال من خلال شق في الجانب الأيسر من البطن، بينما كان القلب يُترك عمداً في مكانه، إذ كان يُعتقد أنه مقر الذكاء والعاطفة ومطلوباً للمحاكمة في العالم الآخر.

وكان تجويف الجسم والأعضاء المزالة يُحشى ويُغطى بملح النطرون، وهو مركب ملحي طبيعي يُستخرج من قيعان البحيرات الجافة، والذي كان يسحب الرطوبة على مدى عملية استمرت نحو 40 يوماً. وبعد التجفيف، كان الجسد يُنظف، ويُحشى أحياناً بالكتان أو نشارة الخشب لاستعادة شكله، ويُعالج بالزيوت والراتنجات، ثم يُلف أخيراً بطبقات عديدة من ضمادات الكتان، وهي عملية استغرقت بنفسها ما بين 15 و30 يوماً إضافية، ليصل إجمالي فترة التحنيط إلى نحو 70 يوماً.

أواني الأحشاء والأعضاء المحفوظة

كانت الأعضاء الأربعة المزالة من الجسم — الكبد والرئتان والمعدة والأمعاء — تُحفظ كل منها على حدة وتُخزن في مجموعة من أربعة أوانٍ تُعرف بأواني الأحشاء (الكانوبية)، يحمي كل واحد منها تقليدياً أحد أبناء حورس الأربعة: إمستي (برأس إنسان، يحمي الكبد)، وحابي (برأس قرد بابون، يحمي الرئتين)، ودواموتف (برأس ابن آوى، يحمي المعدة)، وقبح سنوف (برأس صقر، يحمي الأمعاء).

وكانت هذه الأواني توضع في المقبرة إلى جانب التابوت، مما يعكس الاعتقاد بأن المتوفى سيحتاج إلى استعادة هذه الأعضاء في العالم الآخر، وقد تطور تصميمها وزخرفتها بشكل كبير عبر الأسرات المختلفة.

من كان يُحنّط

رغم أن التحنيط يرتبط بشكل وثيق بالفراعنة، فإن هذه الممارسة لم تكن حكراً على الملوك أبداً. ووصف هيرودوت ما لا يقل عن ثلاثة مستويات من خدمات التحنيط بأسعار مختلفة، ومع مرور الوقت أصبح التحنيط متاحاً لشريحة أوسع بكثير من المجتمع المصري، بما في ذلك المسؤولون والكهنة، وفي النهاية كثير من المواطنين العاديين القادرين على تحمل تكلفة نسخة أساسية على الأقل من العملية.

وحنّط المصريون أيضاً الحيوانات على نطاق واسع، خاصة القطط وطيور الإيبيس والتماسيح، سواء كحيوانات أليفة محبوبة، أو بشكل أكثر شيوعاً، كقرابين دينية أُنتجت بكميات كبيرة ليقدمها الحجاج في المعابد المرتبطة بالحيوانات — وقد عُثر على ملايين مومياوات الحيوانات في سراديب مخصصة.

أين تُشاهد المومياوات الملكية اليوم

منذ أبريل 2021، تُعرض مومياوات 22 ملكاً وملكة مصرية، من بينهم رمسيس الثاني وسيتي الأول، في قاعة المومياوات الملكية بالمتحف القومي للحضارة المصرية في الفسطاط بالقاهرة، عقب حدث تلفزيوني واسع عُرف بموكب المومياوات الملكية الذهبي نقلها من المتحف المصري القديم في ميدان التحرير. وتستخدم القاعة إضاءة وظروف مناخية مُتحكم بها مصممة خصيصاً للحفظ طويل الأمد والعرض اللائق والمحترم.

وتُعد مومياء توت عنخ آمون استثناءً بارزاً، إذ تبقى في مقبرته الأصلية، KV62، بوادي الملوك في الأقصر، بدلاً من المتحف القومي للحضارة، مما يتيح للزوار مشاهدتها في سياقها الأثري الأصلي.


المصادر

  1. المتحف القومي للحضارة المصرية — معلومات رسمية عن قاعة المومياوات الملكية
  2. وزارة السياحة والآثار المصرية — معلومات آثار رسمية عن التحنيط والمجموعات الملكية
  3. المتحف البريطاني — موارد عن عملية التحنيط ومجموعة أواني الأحشاء
  4. موسوعة بريتانيكا — مدخل مرجعي عن المومياء والتحنيط

الأسئلة الشائعة

كم استغرق التحنيط المصري؟

استغرقت عملية التحنيط الكاملة نحو 70 يوماً إجمالاً: حوالي 40 يوماً لتجفيف الجسد بملح النطرون، تليها 15 إلى 30 يوماً إضافية لتنظيف الجسد ومعالجته ولفه بضمادات الكتان.

لماذا أزال المصريون الدماغ وتركوا القلب؟

لم يعتبر المصريون القدماء الدماغ عضواً مهماً وتخلصوا منه، مستخرجينه عبر فتحتي الأنف. أما القلب فتُرك في مكانه لأنه كان يُعتقد أنه مقر الذكاء والعاطفة، وكان مطلوباً للمحاكمة في العالم الآخر.

ما هي أواني الأحشاء وما استخدامها؟

أواني الأحشاء هي مجموعة من أربعة أوانٍ استُخدمت لتخزين وحفظ الكبد والرئتين والمعدة والأمعاء المزالة أثناء التحنيط كلاً على حدة، ويحمي كل واحد منها تقليدياً أحد أبناء حورس الأربعة.

هل كان التحنيط للفراعنة فقط؟

لا. رغم أن الفراعنة حصلوا على المعالجة الأكثر تفصيلاً، تصف المصادر القديمة عدة مستويات من خدمات التحنيط بأسعار مختلفة، وأصبح التحنيط في النهاية متاحاً لشريحة واسعة من المجتمع المصري، وليس فقط للعائلة الملكية.

أين يمكنني مشاهدة مومياوات مصرية حقيقية اليوم؟

منذ عام 2021، تُعرض 22 مومياء ملكية في قاعة المومياوات الملكية بالمتحف القومي للحضارة المصرية في القاهرة. وتُعد مومياء توت عنخ آمون استثناءً بارزاً، إذ تبقى في مقبرته الأصلية بوادي الملوك في الأقصر.


عن الكاتب

فريق تحرير doyouknow.app — نجمع بين المصادر التاريخية الكلاسيكية والدراسات العلمية الحديثة لرفات المومياوات لتقديم التحنيط كعملية موثقة بدقة بدلاً من الأساطير الشائعة.


هل أعجبك المقال؟

شارك عبر واتسابشارك عبر واتساب

احصل على المزيد من الأدلة في بريدكاشترك في نشرتنا البريدية للحصول على قصص أسبوعية مثيرة للاهتمام من مصر والسعودية ودبي وأكثر.