مقدمة
سد النهضة الإثيوبي الكبير هو أكبر سد كهرومائي في أفريقيا، شيدته إثيوبيا على النيل الأزرق قرب الحدود السودانية. وبدأت أعمال الإنشاء عام 2011، ثم مُلئت بحيرته على مراحل حتى 2024، ودُشن رسمياً في سبتمبر 2025، دون اتفاق ملزم على قواعد التشغيل طالما سعت إليه مصر والسودان على مدى أكثر من عقد.
يشرح هذا المقال طبيعة السد، وتطور ملء بحيرته وتوليد الكهرباء منه، وسبب حساسيته الشديدة للأمن المائي المصري، وكيف وصلت جولات التفاوض الطويلة بالدول الثلاث إلى الجمود الحالي. ولأن الوضع يتطور باستمرار، تُعرض الأرقام هنا بنطاقات تقريبية ويوصف الوضع السياسي كما هو في منتصف 2026.
ما هو سد النهضة؟
سد النهضة سد ضخم من الخرسانة المدموكة على النيل الأزرق، المعروف في إثيوبيا باسم أباي، في إقليم بني شنقول-قوماز على بعد نحو 15 إلى 30 كيلومتراً من الحدود السودانية. ويمتد جسم السد نحو 1.8 كيلومتر عبر الوادي ويتراوح ارتفاعه بين 145 و170 متراً تقريباً بحسب مرجع القياس، أما بحيرته التي سُميت «نقات» أي «الفجر» فصُممت لتخزين نحو 74 مليار متر مكعب من المياه، أي أكثر من كامل الحصة السنوية لمصر من النيل.
تبلغ القدرة التوليدية المخططة للمشروع نحو 5,150 ميغاواط من 13 توربيناً، وهو ما يزيد على ضعف الإنتاج الوطني الإثيوبي السابق من الكهرباء، ويتيح تصدير الطاقة إلى دول مجاورة ككينيا وجيبوتي والسودان. وتتراوح تقديرات التكلفة عموماً بين 4 و5 مليارات دولار، مولتها إثيوبيا في معظمها داخلياً عبر التمويل الحكومي وسندات عامة وتبرعات المواطنين، في حين جرى تمويل حزمة التوربينات خارجياً وبينها قرض من بنك الصين للاستيراد والتصدير. ونفذ بناء السد شركة ويبيلد الإيطالية، المعروفة سابقاً باسم ساليني إمبريجيلو.
وضع الملء والتشغيل
بدأت إثيوبيا ملء البحيرة في يوليو 2020 وواصلت العملية على مراحل سنوية في مواسم الأمطار حتى اكتملت في سبتمبر 2024. ودخل أول توربينين الخدمة في فبراير 2022، وبحلول التدشين في سبتمبر 2025 أُعلن عن تشغيل التوربينات الثلاثة عشر كاملة، مع إنتاج سنوي متوقع يقارب 15,700 غيغاواط ساعة عند العمل بالقدرة الكاملة.
يكتسب موقع السد أهميته من أن النيل الأزرق يوفر نحو 60% من إجمالي التدفق السنوي لنهر النيل في المتوسط، وحصة أكبر بكثير في موسم الفيضان. والسدود الكهرومائية لا تستهلك المياه كما تفعل مشاريع الري، إذ تعبر المياه التوربينات ثم تواصل مجراها، لذا تتوقع دراسات فنية عديدة ألا يتغير متوسط التدفق الطويل الأجل الواصل إلى مصر كثيراً في سنوات الأمطار العادية. أما المخاطر الحقيقية فتتركز في نقطتين: سنوات الملء حين يُحتجز جزء من التدفق، وأي تتابع مستقبلي لسنوات الجفاف يُدار دون تنسيق.
لماذا يهم مصر؟
يعتمد سكان مصر، الذين يتجاوز عددهم 100 مليون نسمة بفارق واضح، على نهر النيل في نحو 90% أو أكثر من احتياجاتهم من المياه العذبة. وبموجب اتفاقية مياه النيل لعام 1959 بين مصر والسودان تبلغ حصة مصر السنوية 55.5 مليار متر مكعب وحصة السودان 18.5 ملياراً، ولم تكن إثيوبيا طرفاً في تلك الاتفاقية ولا في معاهدة 1929 الأنجلو-مصرية السابقة، وهي ترفضهما بوصفهما ترتيبات من الحقبة الاستعمارية. وتقدر مصر احتياجاتها الكلية من المياه بنحو 114 مليار متر مكعب سنوياً في مقابل موارد تقل عن 60 ملياراً، مما يضع نصيب الفرد دون عتبة الندرة المائية الشائعة البالغة 500 متر مكعب.
لذلك تتعامل القاهرة مع السد بوصفه قضية وجودية: فمطلبها المركزي اتفاق قانوني ملزم يحكم ملء البحيرة، وقبل كل شيء طريقة تشغيل السد في سنوات الجفاف. واستثمرت مصر أيضاً في إجراءات التكيف، من محطات التحلية ومعالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها إلى تحديث شبكات الري وتقليص زراعة المحاصيل الشرهة للمياه كالأرز. ويقف السودان في موقع وسط: فقد يستفيد من تنظيم الفيضان والكهرباء الأرخص، لكنه يخشى على سلامة سدوده مثل الروصيرص ويطالب بتبادل البيانات لحظياً.
تاريخ المفاوضات
أطلقت إثيوبيا المشروع عام 2011 في لحظة كانت مصر منشغلة فيها بثورتها. وراجعت لجنة خبراء دولية تصميم السد في 2012 و2013، وفي مارس 2015 وقعت الدول الثلاث إعلان المبادئ في الخرطوم، وهو الوثيقة الإطارية الوحيدة الموقعة من الجميع، وتعهدت فيها بالتعاون والاستخدام المنصف والمعقول وعدم إلحاق ضرر جسيم، والاتفاق على قواعد الملء والتشغيل. ثم بدأت إثيوبيا الملء من جانب واحد عام 2020 متمسكة بأن الإعلان يجيز لها ذلك.
انهارت المحادثات التي توسطت فيها الولايات المتحدة والبنك الدولي في 2019 و2020 بعد رفض إثيوبيا مسودة اعتبرتها مساساً بسيادتها. ولم تحرز جولات الاتحاد الأفريقي في 2020 و2021 تقدماً يذكر، وحث مجلس الأمن الدولي في يوليو 2021 الأطراف على التوصل إلى اتفاق ملزم تحت رعاية الاتحاد الأفريقي. واستؤنفت المحادثات الثلاثية عام 2023 ثم تعثرت مجدداً بنهاية العام نفسه. وعادت مصر إلى مجلس الأمن في 2024 ومرة أخرى يوم التدشين في سبتمبر 2025، واتهمت إثيوبيا لاحقاً في العام نفسه بإطلاقات غير منسقة فاقمت الفيضانات في دولتي المصب، بينما عزت إثيوبيا ذلك إلى أمطار موسمية قياسية. وحتى منتصف 2026 لا يوجد اتفاق ثلاثي ملزم يحكم ملء السد أو تشغيله.
المصادر
- الجزيرة — تقرير عن تدشين سد النهضة والتوتر مع مصر والسودان
- أسوشيتد برس — موقف مصر من اكتمال السد دون اتفاق تشغيل ملزم
- بي بي سي — خلفية عن تمويل سد النهضة ووضعه الراهن
- فاناك للمياه — تحليل متخصص في نزاع سد النهضة وفيضانات النيل 2025
الأسئلة الشائعة
أين يقع سد النهضة بالتحديد؟
يقع على النيل الأزرق (أباي) في إقليم بني شنقول-قوماز الإثيوبي على بعد نحو 15 إلى 30 كيلومتراً من الحدود السودانية. وتنساب المياه المفرج عنها منه إلى السودان ثم مصر، ولهذا يؤثر تشغيله مباشرة في دولتي المصب.
كم تبلغ السعة التخزينية لسد النهضة؟
صُممت بحيرته لتخزين نحو 74 مليار متر مكعب، وهو ما يفوق كامل حصة مصر السنوية من مياه النيل البالغة 55.5 مليار متر مكعب بموجب اتفاقية 1959. وقد جرى ملء هذا الحجم على عدة مواسم أمطار لتخفيف الأثر الفوري على المصب.
هل يقلل سد النهضة إمدادات المياه إلى مصر؟
يعتمد ذلك على الأمطار والتنسيق. وبما أن السد يولد الكهرباء ولا يستهلك المياه، تتوقع دراسات عديدة تغيراً محدوداً في متوسط التدفقات السنوية بعد اكتمال الملء في السنوات العادية. أما قلق مصر فيتركز على تتابع سنوات الجفاف والتشغيل غير المنسق، ومن هنا مطالبتها بقواعد تشغيل ملزمة.
ماذا نص إعلان المبادئ لعام 2015؟
تعهدت مصر والسودان وإثيوبيا بالتعاون والاستخدام المنصف والمعقول للنيل وعدم إلحاق ضرر جسيم، واتفقت على ضرورة تسوية قواعد الملء والتشغيل بينها. غير أن الإعلان لم ينشئ آلية تنفيذ ملزمة، ولهذا استمر الخلاف بعد بدء إثيوبيا الملء عام 2020.
هل يوجد اتفاق نهائي على تشغيل السد؟
حتى منتصف 2026 لا يوجد. فقد أخفقت مسارات التفاوض المتعاقبة، من محادثات الوساطة الأمريكية والبنك الدولي إلى جولات الاتحاد الأفريقي واللقاءات الثلاثية المستأنفة، في إنتاج معاهدة ملزمة. وتطالب مصر بقواعد قابلة للتنفيذ لتشغيل السد في سنوات الجفاف، بينما تفضل إثيوبيا تنسيقاً غير ملزم.
عن الكاتب
فريق تحرير doyouknow.app — نتابع تغطية وكالات الأنباء والمصادر المتخصصة في ملف مياه النيل، ونعرض الادعاءات السياسية المتطورة بتواريخ وتحفظات لا بوصفها نتائج محسومة.
هل أعجبك المقال؟
شارك عبر واتساب → شارك عبر واتساب
احصل على المزيد من الأدلة في بريدك — اشترك في نشرتنا البريدية للحصول على قصص أسبوعية مثيرة للاهتمام من مصر والسعودية ودبي وأكثر.