مقدمة

كل عام، يُفقد مئات الملايين من البشر وعيهم كاملاً عن قصد، وتُشقّ أجسادهم وتُصلَح، ثم يُوقَظون دون أي ذكرى عمّا حدث. إنها واحدة من أعظم هبات تاريخ الطب — ومن أغرب ألغازه. فـالتخدير العام يعمل بانتظام يتيح لنا التخطيط للجراحات على أساسه، ومع ذلك ما زال العلماء عاجزين عن تفسير كامل لكيفية إطفائه الوعي.

والواضح أن التخدير ليس نوماً. إنه غيبوبة دوائية عكوسة: حالة مضبوطة لا يستطيع فيها الدماغ توليد الوعي ولا تسجيل الذكريات ولا الحركة ولا الإحساس بالألم. وفهم كيف تُنتج الأدوية هذه الحالة يعني فهماً جزئياً على الأقل لكيفية إنتاج الدماغ للإدراك ذاته.

ماذا يفعل التخدير بالدماغ؟

تعمل معظم المخدرات العامة — البروبوفول الوريدي والغازات المستنشقة كالسيفوفلوران — أساساً عبر تقوية نظام الكبح الذاتي في الدماغ. فهي ترتبط بمستقبلات GABA-A، وهي مواقع ارتباط الناقل العصبي المثبط الرئيسي GABA، وتجعلها أكثر فعالية. تصبح الخلايا العصبية في القشرة أصعب إثارة، وتخفت الثرثرة الطبيعية بين مناطق الدماغ.

والأثر الحاسم ليس أن خلايا الدماغ تسكن فردياً، بل أنها تتوقف عن الحديث مع بعضها. فتُظهر تصويرات الدماغ أن المخدرات تعطّل الوصلات بعيدة المدى بين المهاد والقشرة وبين مقدمة الدماغ ومؤخرته — شبكات الاتصال التي يُعتقد أنها أساسية للتجربة الواعية الموحدة. فالأجهزة ما زالت تعمل؛ أما الشبكة التي تجمع التجربة في وعي فقد فُصلت.

المكونات الأربعة للتخدير

يوفّر التخدير الكامل في الواقع أربعة أشياء منفصلة، غالباً بأدوية مختلفة. فـفقدان الوعي (التنويم) يأتي من عوامل مثل البروبوفول. وفقدان الذاكرة يضمن عدم تكوّن ذكريات حتى لو لمع وعيٌ ما. وتسكين الألم — حجب إشارات الألم — يأتي عادة من الأفيونيات كالفنتانيل، لأن المنومات وحدها لا توقف استجابة الجسم الإجهادية للشق الجراحي. أما انعدام الحركة فيأتي من حاصرات العصب والعضل، أدوية تشلّ العضلات مؤقتاً فلا يستطيع المريض الحركة أو التنفس ذاتياً، ولهذا يتولى جهاز التنفس الاصطناعي المهمة.

ويوازن طبيب التخدير هذا المزيج باستمرار، متتبعاً نبض القلب وضغط الدم والأكسجين وتركيز المخدر الزفيري، وغالباً جهاز مراقبة موجات الدماغ المعالَجة كمؤشر BIS الذي يقدّر عمق فقدان الوعي من أنماط الموجات الدماغية على مقياس من 0 إلى 100. والجرعات دقيقة بشكل مذهل: فنقصها قد يوقظ المريض، وزيادتها قد تخفض ضغط الدم ونشاط الدماغ بشكل خطير.

ما الذي ما زال العلم يجهله؟

وهنا الجزء المتواضِع: بعد نحو 180 عاماً، لا توجد نظرية كاملة عن كيفية إنتاج المخدرات لفقدان الوعي. فأدوية مختلفة كيميائياً كالبروبوفول وغاز الزينون والكيتامين كلها تُلغي الإدراك عبر آليات مختلفة جزئياً، ما يوحي بأن الوعي ذاته قد ينشأ من عمليات دماغية لم نُحدّدها بعد. فالتخدير عملياً أكبر تجربة مستمرة في العالم عن طبيعة الوعي.

وهناك ألغاز سريرية غير محلولة أيضاً. فـالوعي أثناء التخدير — الاستيقاظ مشلولاً خلال الجراحة — يحدث في حالة إلى حالتين تقريباً من كل ألف تخدير عام، وما زال الباحثون غير قادرين على التنبؤ الدقيق بالمعرّضين للخطر. وما إذا كان التعرض للتخدير يضرّ بأدمغة الأطفال الصغار النامية أو يسرّع التدهور المعرفي لدى كبار السن يظل موضع جدل بحثي نشط. فالأدوية تعمل؛ أما التفسير الكامل للسبب فما زال على تخوم علم الأعصاب.

تاريخ موجز

قبل التخدير، كانت الجراحة رعباً من السرعة والتقييد: كان الجراحون يبترون الأطراف في أقل من دقيقة بينما يكبّل المساعدون مرضى يصرخون، ولا يقدّم الكحول أو الأفيون راحة حقيقية تُذكر. تغيّر ذلك في 16 أكتوبر 1846، حين عرض طبيب الأسنان ويليام مورتون الإيثر في مستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن، في المدرّج المعروف الآن بقبة الإيثر. أُزيل ورم من رقبة مريض وهو نائم بهدوء، فأعلن الجراح عبارته الشهيرة: «أيها السادة، هذا ليس دجلاً».

وعبر الخبر المحيط الأطلسي في أسابيع. فقدّم جيمس يونغ سيمبسون الكلوروفورم في إدنبرة عام 1847، وأعطى جون سنو — الذي اشتهر لاحقاً بأبحاث الكوليرا — الكلوروفورم للملكة فيكتوريا أثناء الولادة عام 1853، فكسّب التخدير احتراماً. وجعلت العوامل الحديثة كالبروبوفول، الذي طُرح في الثمانينيات، وتقنيات المراقبة اليوم التخدير آمناً لدرجة أن الوفاة المنسوبة إليه تُقدَّر الآن بنحو حالة واحدة من كل 100 إلى 200 ألف عملية.


المصادر

  1. المعهد الوطني الأمريكي للعلوم الطبية العامة — كيف تؤثر أدوية التخدير في الجهاز العصبي وما الذي ما زال الباحثون يدرسونه
  2. موسوعة بريتانيكا — أنواع التخدير وتاريخه وآلياته
  3. هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية — شرح موجّه للمرضى عن كيفية إعطاء التخدير العام ومراقبته

الأسئلة الشائعة

هل التخدير مثل النوم؟

لا. التخدير غيبوبة دوائية عكوسة وليس نوماً. فعلى خلاف النوم، لا يمكن إيقاظك بالضجيج أو الهزّ، ولا يستطيع دماغك تكوين أحلام بالمعنى المعتاد، والوعي مكبوت لا متنقل بين مراحل النوم.

هل يمكن الاستيقاظ أثناء الجراحة تحت التخدير؟

نادراً. يحدث الوعي أثناء التخدير في حالة إلى حالتين من كل ألف تخدير عام تقريباً، وغالباً في جراحات الطوارئ والقلب والقيصرية حيث يكون التخفيف مقصوداً. ويراقب أطباء التخدير نشاط الدماغ ومستويات الدواء خصيصاً لمنعه.

كيف تعمل أدوية التخدير فعلياً؟

معظم المخدرات العامة تعزّز مستقبلات GABA-A فتقوّي إشارات التثبيط في الدماغ، فتصبح الخلايا العصبية أقل استثارة وينهار التواصل بين مناطق الدماغ. ودون تلك الاتصالية بعيدة المدى، لا يستطيع الدماغ تركيب التجربة الواعية.

هل التخدير العام آمن؟

نعم، وبشكل مذهل. فالوفاة المنسوبة مباشرة إلى التخدير تُقدَّر بنحو حالة واحدة من كل 100 إلى 200 ألف عملية في الدول المتقدمة، بفضل الأدوية الحديثة والمراقبة وأطباء التخدير المدرّبين. أما الآثار الجانبية كالغثيان والخمول فشائعة لكنها مؤقتة.

كيف يعرف الأطباء أنك فاقد للوعي تماماً؟

يجمعون بين العلامات السريرية (لا حركة، نبض وضغط مستقران) ومراقبة تركيز المخدر الزفيري، وغالباً جهاز تخطيط دماغ معالَج كمراقب BIS الذي يقيّم نشاط موجات الدماغ من 0 (لا نشاط) إلى 100 (يقظة تامة).


عن الكاتب

فريق تحرير doyouknow.app — نستند إلى أبحاث طبية ومصادر في علم التخدير لشرح كيف يُسكت التخدير الوعي.


هل أعجبك المقال؟

شارك عبر واتسابشارك عبر واتساب

احصل على المزيد من الأدلة في بريدكاشترك في نشرتنا البريدية للحصول على قصص أسبوعية مثيرة للاهتمام من مصر والسعودية ودبي وأكثر.