مقدمة
مرتين في السنة، يضبط نحو مليار شخص ساعاتهم على مضض — تقديماً في مارس أو أبريل، وتأخيراً في أكتوبر أو نوفمبر. لكن هذا الطقس أبعد ما يكون عن الشمولية. فأقل من 70 دولة، أي أقل من 40 بالمئة من العالم، تطبّق التوقيت الصيفي أصلاً، ولا توجد بينها تقريباً أي دولة أفريقية أو آسيوية.
وخريطة التوقيت الصيفي هي في جوهرها خريطة أوروبا وأمريكا الشمالية وأجزاء من المنطقة المعتدلة في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية. أما بقية العالم فقد نظر إلى تغيير الساعة مرتين سنوياً، ووازن الفوائد المزعومة مقابل الاضطراب، واختار الابتعاد عنه — أو جرّبه ثم تخلّى عنه.
تاريخ موجز للتوقيت الصيفي
تُنسب الفكرة غالباً إلى بنجامين فرانكلين الذي كتب عام 1784 رسالة ساخرة يقترح فيها على الباريسيين الاستيقاظ مبكراً لتوفير الشموع — لكنه كان يمزح، واقترح إطلاق المدافع عند الفجر لا تغيير الساعات. أما الاقتراح الجاد فجاء من عالم الحشرات النيوزيلندي جورج هدسون عام 1895 الذي أراد مزيداً من ضوء النهار المسائي لجمع الحشرات، ومن البنّاء البريطاني ويليام ويليت الذي ناضل من أجله من 1907 حتى وفاته عام 1915.
والحرب هي ما جعل الفكرة واقعاً. فقد اعتمدت ألمانيا التوقيت الصيفي في 30 أبريل 1916 لتوفير الفحم أثناء الحرب العالمية الأولى، وتبعتها بريطانيا بعد ثلاثة أسابيع ثم الولايات المتحدة عام 1918. وتخلّت عنه معظم الدول بعد الحرب، ثم أعادت تبنّيه خلال الحرب العالمية الثانية وأزمة الطاقة في السبعينيات حين بدا توفير الوقود ملحّاً من جديد. وذلك الإجراء الطارئ الذي كان يُفترض أن يكون مؤقتاً لم يختفِ قط.
لماذا تختار الدول عدم تطبيقه؟
السبب الأكثر جوهرية هو الجغرافيا. فالتوقيت الصيفي ينقل ساعة من ضوء النهار من الصباح إلى المساء، وهو أمر مهم في خطوط العرض العالية حيث تكون أيام الصيف أطول بكثير من أيام الشتاء. أما قرب خط الاستواء فطول النهار لا يكاد يتغير عبر السنة — نحو 12 ساعة يومياً — فلا يحقق تغيير الساعة شيئاً. ولهذا تتجاوزه أفريقيا كلها تقريباً ومعظم آسيا وأمريكا الجنوبية.
أما حالات الانسحاب الأخرى فسياسية أو عملية. فقد تخلّت ولاية أريزونا عن التوقيت الصيفي عام 1968 لأن أمسيات الصيف في الصحراء حارقة، وسكانها أرادوا أن تغرب الشمس أبكر لا متأخراً؛ وتركتها هاواي عام 1967 لأن موقعها المداري يجعلها بلا جدوى. وألغت روسيا تغيير الساعة عام 2011 واستقرت على التوقيت الصيفي الدائم، ثم وجدت صباحات الشتاء المظلمة لا تُطاق، فانتقلت إلى التوقيت الشتوي الدائم عام 2014. ولم تستخدمه اليابان قط، بينما تدير الصين — رغم امتدادها عبر خمس مناطق زمنية جغرافية — البلاد كلها على منطقة زمنية واحدة طوال العام.
الجدل حول الصحة والطاقة
كانت الحجة الأصلية للتوقيت الصيفي هي توفير الطاقة، وقد انهارت هذه الحجة إلى حد بعيد. فقد وجد تقرير لوزارة الطاقة الأمريكية عام 2008 أن التوقيت الصيفي يوفر نحو 0.5 بالمئة فقط من الكهرباء اليومية، بينما وجدت دراسة عن تبنّي ولاية إنديانا له عام 2006 أن استهلاك الكهرباء المنزلي ارتفع فعلياً بنحو 1 بالمئة — إذ تبخّر توفير الإضاءة بسبب تكييف الهواء والتدفئة الإضافيين. وفي عالم مصابيح LED والمكيفات والأجهزة التي لا تتوقف، لم يعد منطق الشموع والفحم صالحاً.
في المقابل، اتضحت التكاليف الصحية أكثر فأكثر. فقد ربطت دراسات تغيير الساعة في الربيع بارتفاع بنسبة 24 بالمئة تقريباً في النوبات القلبية يوم الاثنين التالي، وبمزيد من السكتات الدماغية وإصابات العمل وحوادث المرور المميتة في الأيام التالية. وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب النوم رسمياً بإلغاء التغيير الموسمي واعتماد التوقيت الشتوي الدائم، مجادلة بأنه يتوافق بشكل أفضل مع إيقاع الجسم اليومي وضوء الصباح.
ماذا يحمل المستقبل؟
الاتجاه العالمي يسير نحو الإلغاء. فقد صوّت البرلمان الأوروبي عام 2019 لإنهاء تغيير الساعات الموسمي بحلول 2021، لكن الدول الأعضاء تعثّرت في الخلاف حول أي توقيت دائم تختار، فتوقّفت الخطة. وفي الولايات المتحدة، أقرّ مجلس الشيوخ عام 2022 قانون حماية أشعة الشمس لجعل التوقيت الصيفي دائماً على مستوى البلاد، لكنه مات في مجلس النواب — إلى حد كبير بسبب الحجة الصحية القائلة إن التوقيت الشتوي الدائم لا الصيفي هو الخيار الأكثر صحة.
وقد ابتعدت عشرات الدول عن النظام ببساطة: فروسيا وتركيا والأرجنتين ومعظم أمريكا اللاتينية أنهت هذه الممارسة في العقود الأخيرة. والنهاية المرجحة هي عالم تختار فيه كل دولة توقيتاً ثابتاً واحداً وتلتزم به — تاركة تغيير الساعة الموسمي تجربة غريبة من القرن العشرين عاشت أطول من جدواها.
المصادر
- موسوعة بريتانيكا — تاريخ التوقيت الصيفي ومبرراته وانتشاره عالمياً
- المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية — القواعد الرسمية الأمريكية وخلفية عن التوقيت الصيفي
- ويكيبيديا — الاستخدام العالمي والجدل والأبحاث حول آثار تغيير الساعة
الأسئلة الشائعة
كم عدد الدول التي تستخدم التوقيت الصيفي؟
أقل من 70 دولة تطبّق التوقيت الصيفي، أي أقل من 40 بالمئة من العالم. ويُستخدم أساساً في أوروبا وأمريكا الشمالية وأجزاء من المنطقة المعتدلة الجنوبية، بينما تتجاوزه أفريقيا كلها تقريباً ومعظم آسيا.
لماذا لا تطبّق أريزونا وهاواي التوقيت الصيفي؟
انسحبت هاواي عام 1967 لأن قربها من خط الاستواء يعني أن طول النهار لا يكاد يتغير. وتبعتها أريزونا عام 1968 لأن ساعة إضافية من شمس المساء الصيفية الحارقة غير مرغوبة في حرّ الصحراء. أما أمة نافاهو داخل أريزونا فتطبّقه.
هل يوفّر التوقيت الصيفي الطاقة فعلاً؟
بالكاد، إن وُفر أصلاً. فقد وجدت دراسة لوزارة الطاقة الأمريكية عام 2008 توفيراً بنحو 0.5 بالمئة من الكهرباء اليومية، بينما وجدت دراسة إنديانا أن الاستهلاك ارتفع نحو 1 بالمئة بسبب التدفئة وتكييف الهواء الإضافيين.
متى استُخدم التوقيت الصيفي لأول مرة؟
كانت ألمانيا والنمسا-المجر أول من اعتمده وطنياً في 30 أبريل 1916 خلال الحرب العالمية الأولى لتوفير الفحم، وتبعتهما بريطانيا في مايو 1916 ثم الولايات المتحدة عام 1918.
هل تغيير الساعة ضار بالصحة؟
تربط الأبحاث تقديم الساعة في الربيع بزيادة تقارب 24 بالمئة في النوبات القلبية يوم الاثنين التالي، إضافة إلى مزيد من السكتات والإصابات وحوادث المرور. وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب النوم بإنهاء التبديل واعتماد التوقيت الشتوي الدائم.
عن الكاتب
فريق تحرير doyouknow.app — نستند إلى سجلات حكومية وأبحاث في طب النوم ودراسات طاقة لشرح سبب انقسام العالم حول التوقيت الصيفي.
هل أعجبك المقال؟
شارك عبر واتساب → شارك عبر واتساب
احصل على المزيد من الأدلة في بريدك — اشترك في نشرتنا البريدية للحصول على قصص أسبوعية مثيرة للاهتمام من مصر والسعودية ودبي وأكثر.