مقدمة

يبدو الجيش الدائم لدى معظم الدول أمراً أساسياً مثل العلم أو العملة الوطنية. ومع ذلك، فإن أكثر من 20 دولة ذات سيادة لا تحتفظ بأي جيش نظامي دائم على الإطلاق، ومن بينها كوستاريكا وأيسلندا وبنما وموريشيوس وساموا وفانواتو. بعضها ألغى جيشه بقرار دستوري مدروس بعد حروب أهلية أو انقلابات، وبعضها الآخر لم ينشئ جيشاً أصلاً.

هذا ليس رمزية سلمية مجردة، بل استراتيجية أمنية محسوبة: تُسنَد الحماية إلى الجغرافيا والمعاهدات وقوات الشرطة، بينما تُوجَّه الأموال التي كانت ستُنفَق على الدبابات والطائرات إلى المدارس والمستشفيات والتنمية الاقتصادية. وقد كانت النتائج في حالات عدة ناجحة بشكل لافت.

كوستاريكا: الدولة التي ألغت جيشها

الحالة الأشهر هي كوستاريكا. فبعد حرب أهلية دامية استمرت 44 يوماً عام 1948، اتخذ زعيم المجلس العسكري المنتصر خوسيه فيغيريس قراراً مذهلاً: بدلاً من استخدام الجيش لترسيخ سلطته، ألغاه بالكامل. في الأول من ديسمبر 1948، هشّم رمزياً جزءاً من جدار ثكنة بيافيستا بمطرقة، ثم حظر دستور 1949 الجيش الدائم رسمياً في المادة 12، وحُوّلت الثكنة إلى المتحف الوطني.

وقد آتت المقامرة ثمارها. فبينما أطاحت الانقلابات العسكرية بالحكومات في أنحاء أمريكا اللاتينية طوال القرن العشرين، أصبحت كوستاريكا واحدة من أكثر دول المنطقة استقراراً ديمقراطياً. وُجّهت الأموال التي كانت ستذهب إلى الدفاع نحو التعليم والصحة العامة؛ واليوم تتجاوز نسبة محو الأمية فيها 97 بالمئة ولديها نظام رعاية صحية شامل. وفي عام 1983 ذهب الرئيس لويس ألبرتو مونخي أبعد من ذلك معلناً الحياد الدائم والفعال وغير المسلّح.

دول أخرى بلا جيوش

تُعد أيسلندا الحالة الأكثر إدهاشاً: فهي بلا جيش دائم منذ عام 1869، ومع ذلك فهي عضو مؤسس في حلف الناتو ومحمية ببند الدفاع الجماعي في الحلف. تحتفظ بخفر سواحل ووحدة للاستجابة للأزمات، واستضافت قاعدة جوية أمريكية في كيفلافيك من 1951 حتى 2006. أما بنما فقد ألغت جيشها عام 1990 بعد الغزو الأمريكي عام 1989 لإزاحة الدكتاتور مانويل نورييغا — وهو الجيش نفسه الذي كان يدعمه. وجعل إصلاح دستوري عام 1994 هذا الإلغاء دائماً.

وتشكّل الدول الجزرية غالبية بقية القائمة. فموريشيوس وساموا وفانواتو وجزر سليمان وتوفالو تعتمد على قوات الشرطة والشركاء الإقليميين. وتدافع الولايات المتحدة عن دول المحيط الهادئ الصغيرة — بالاو وجزر مارشال وولايات ميكرونيزيا الموحدة — بموجب اتفاقية الارتباط الحر. أما الدول الأوروبية الصغيرة فلها ترتيبات مشابهة: فالدفاع عن أندورا مسؤولية فرنسا وإسبانيا بموجب اتفاقات تعود إلى عام 1278، بينما تعتمد موناكو على فرنسا وليختنشتاين على الحياد والعلاقات السويسرية.

كيف تُدار الحماية دون جيش؟

الدول بلا جيوش ليست بلا دفاع، بل تُدافَع بطريقة مختلفة. فمعظمها يحتفظ بقوات شرطة مجهزة ذات قدرات شبه عسكرية. فالقوة العامة في كوستاريكا تتولى أمن الحدود ومكافحة المخدرات، وقد لجأت البلاد مراراً في نزاعاتها الحدودية — بما فيها نزاعاتها مع نيكاراغوا — إلى محكمة العدل الدولية بدلاً من ساحة المعركة، وكسبت القضايا.

وتؤدي المعاهدات الدور الأكبر. فأيسلندا تستند إلى المادة الخامسة من ميثاق الناتو، وبنما وكوستاريكا مشمولتان بمعاهدة البلدان الأمريكية للمساعدة المتبادلة لعام 1947 (معاهدة ريو) التي تعتبر الاعتداء على دولة أمريكية واحدة اعتداءً على الجميع. وللجغرافيا دورها أيضاً: فالدولة الجزرية التي لا حدود برية لها ولا موارد تستحق حرباً لا تواجه غزاة محتملين كثراً. والتحفظ الصادق هنا أن هذا النموذج يعتمد على نظام دولي مستقر — فالدولة بلا جيش تراهن على أن القانون والتحالفات والدبلوماسية ستبقى صامدة.

لماذا ينجح هذا النموذج؟

المنطق الأعمق تاريخي. ففي كثير من الدول النامية، كان الجيش تهديداً لحكومة بلاده أكثر منه لأي عدو خارجي. فقد شهدت أمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط عشرات الانقلابات العسكرية في القرن العشرين. وإلغاء الجيش يزيل خطر الانقلاب كلياً — فلا يمكن أن يطيح بك جيش غير موجود أصلاً.

والحجة الاقتصادية لا تقل قوة. فقد تجاوز الإنفاق العسكري العالمي 2.4 تريليون دولار عام 2023، وحتى الجيوش الصغيرة تستهلك ما بين 1 و3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتحتل كوستاريكا باستمرار مراتب متقدمة في مؤشر الكوكب السعيد واستطلاعات جودة الحياة في أمريكا اللاتينية، وأصبح نزع عسكرتها جزءاً من هويتها الوطنية وقوتها الناعمة — دولة تفاوض ولا تهدد. وبالنسبة لدولة صغيرة، قد تكون هذه السمعة أثمن من أي كتيبة.


المصادر

  1. موسوعة بريتانيكا — تاريخ إلغاء كوستاريكا لجيشها وتطورها السياسي
  2. مشروع الدساتير المقارنة — النص الكامل لدستور كوستاريكا بما فيه المادة 12 التي تحظر الجيش
  3. ويكيبيديا — قائمة شاملة بالدول بلا قوات مسلحة دائمة وترتيباتها الدفاعية

الأسئلة الشائعة

كم عدد الدول التي لا تمتلك جيشاً دائماً؟

يتراوح العدد بين 21 و26 دولة ذات سيادة بحسب معايير الاحتساب، ومنها كوستاريكا وأيسلندا وبنما وموريشيوس وساموا وفانواتو ومعظم الدول الصغيرة في المحيط الهادئ وأوروبا.

هل تمتلك كوستاريكا أي قوات مسلحة؟

لا تمتلك كوستاريكا جيشاً ولا بحريّة ولا سلاح جو، لكنها تحتفظ بالقوة العامة، وهي قوة شرطة تضم نحو 14 ألف عنصر مع وحدات شبه عسكرية لأمن الحدود ومكافحة المخدرات ومكافحة الشغب.

من يدافع عن أيسلندا وهي بلا جيش؟

أيسلندا عضو مؤسس في حلف الناتو، فأي هجوم عليها يفعّل بند الدفاع الجماعي في المادة الخامسة. ولديها خفر سواحل، وتنفّذ دول الحلف دورياً مهام شرطة جوية انطلاقاً من كيفلافيك.

هل يمكن غزو دولة بلا جيش؟

من حيث المبدأ نعم — وتاريخ بنما نفسه يُظهر أن القوى الكبرى يمكن أن تسحق الدول الصغيرة. ولهذا السبب تحديداً تعتمد هذه الدول على معاهدات مثل معاهدة ريو والناتو، وعلى المحاكم الدولية والدبلوماسية، بوصفها دفاعها الحقيقي.

هل تُعد اليابان دولة بلا جيش؟

لا. فرغم أن المادة التاسعة من دستور اليابان بعد الحرب تتخلى عن الحرب، فإن قوات الدفاع الذاتي التي تأسست عام 1954 تضم نحو 247 ألف فرد وواحدة من أكبر ميزانيات الدفاع في العالم، لذا لا تُصنَّف اليابان دولة منزوعة السلاح.


عن الكاتب

فريق تحرير doyouknow.app — نستند إلى سجلات دستورية ووثائق معاهدات وأبحاث تاريخية لشرح كيف تزدهر بعض الدول دون جيش دائم.


هل أعجبك المقال؟

شارك عبر واتسابشارك عبر واتساب

احصل على المزيد من الأدلة في بريدكاشترك في نشرتنا البريدية للحصول على قصص أسبوعية مثيرة للاهتمام من مصر والسعودية ودبي وأكثر.