نفحة واحدة من صابون يدين معين، أو رصيف مبلل بالمطر، أو نوع محدد من واقي الشمس، قادرة على استحضار ذكرى عمرها عقود في أقل من ثانية، بكل المشاعر المرتبطة بها، قبل أن تتمكن حتى من تحديد مصدر تلك الرائحة بوعي. لا تفعل أي حاسة أخرى هذا بالطريقة نفسها تماماً. أمضى الباحثون الذين يدرسون حاسة الشم والذاكرة عقوداً في محاولة تفسير لماذا يبدو أن للرائحة طريقاً مختصراً إلى أنظمة الذاكرة العاطفية والسيرذاتية في الدماغ، وهو طريق تفتقر إليه حاستا البصر والسمع عموماً.
الخط المباشر بين الأنف ومراكز الذاكرة في الدماغ
تسلك معظم المعلومات الحسية طريقاً غير مباشر عبر الدماغ. تمر الإشارات البصرية والسمعية أولاً عبر المهاد، وهو نوع من محطة الترحيل، قبل توجيهها إلى القشرة الدماغية لمعالجة أعلى مستوى. حاسة الشم هي الاستثناء.
ترسل الخلايا العصبية الشمية في الأنف إشارات مباشرة تقريباً إلى البصلة الشمية، التي تقع فوق التجويف الأنفي مباشرة وترتبط تشريحياً ارتباطاً مباشراً باللوزة الدماغية والبُنى القريبة من الحُصين، وكلاهما محوري في تكوّن العاطفة والذاكرة.
هذا المسار التشريحي القصير والمباشر نسبياً هو أحد أبرز التفسيرات الفسيولوجية التي يشير إليها الباحثون عند تفسير سبب شعورنا بأن الذكريات التي تستحضرها الروائح تبدو فورية ومشحونة عاطفياً أكثر من الذكريات التي تستحضرها صورة أو أغنية.
ما الذي يميز حاسة الشم عن باقي الحواس
تفوق حاستا البصر والسمع عموماً حاسة الشم في دعم الاستدعاء الدقيق والمتعمد؛ يمكنك النظر إلى صورة قديمة وإعادة بناء مشهد كامل بالتفصيل. أما حاسة الشم فتعمل بطريقة مختلفة غالباً: غالباً ما يعجز الناس عن تسمية رائحة معينة بدقة، ومع ذلك يشعرون بأنها مألوفة وتثير موجة من المشاعر مرتبطة بها.
يصف علماء النفس هذا أحياناً بأنه انفصال بين التعرّف على الرائحة والذاكرة التي تثيرها: فالجزء الواعي واللفظي من التعرف على أن «هذه رائحة اللافندر» عملية دماغية منفصلة عن الصدمة العاطفية الأكثر تلقائية التي قد تثيرها الرائحة نفسها.
هذا الانفصال يفسر لماذا يمكن لرائحة أن تبدو مثيرة للمشاعر بقوة حتى حين لا تستطيع تحديد ماهيتها أو مصدرها فوراً، وهي تجربة أقل شيوعاً بكثير مع البصر أو السمع.
البصلة الشمية والجهاز الحوفي
تُصنَّف البصلة الشمية ضمن ما يسميه علماء الأعصاب عموماً الجهاز الحوفي، وهو مجموعة من البُنى المترابطة المشاركة في العاطفة والدافعية والذاكرة، تطورت مبكراً في تاريخ الدماغ لدى الفقاريات.
ولأن البصلة الشمية تقع قريبة فيزيائياً، ومرتبطة بكثافة، ببُنى مثل اللوزة الدماغية والحُصين، فإن معلومات الرائحة تصل إلى الدوائر العصبية المرتبطة بالعاطفة والذاكرة بخطوات معالجة وسيطة قليلة نسبياً.
يرى بعض الباحثين أن هذا الترتيب التطوري كان منطقياً من الناحية البقائية: فربط رائحة معينة بخطر أو طعام أو شريك بسرعة كان له قيمة تكيفية واضحة قبل وقت طويل من تطور معالجة بصرية أو سمعية أكثر تعقيداً لدى الثدييات.
دور اللوزة الدماغية في ربط الرائحة بالمشاعر
تُعرف اللوزة الدماغية بدورها الأساسي في معالجة الخوف وغيره من المشاعر القوية، وهي تقع مباشرة بجوار البُنى التي تستقبل الإشارات الشمية أولاً.
حين تكون رائحة ما حاضرة أثناء حدث ذي دلالة عاطفية، يبدو أن اللوزة الدماغية تساعد على «وسم» تلك الرائحة بالثقل العاطفي لتلك اللحظة، بحيث يمكن لمواجهة الرائحة نفسها أو رائحة مشابهة لاحقاً أن تعيد تنشيط الحالة العاطفية الأصلية جزئياً، لا مجرد الذكرى الوقائعية للحدث فقط.
هذا جزء من سبب وصول ذكريات الرائحة غالباً محمّلة بمشاعر قوية قبل ظهور أي ذكرى وقائعية محددة؛ فقد ينطلق الوسم العاطفي أولاً، تتبعه التفاصيل السردية بعد لحظة، أو لا تظهر على الإطلاق أحياناً.
الحُصين والذاكرة السيرذاتية
يلعب الحُصين، وهو جار قريب آخر لدوائر معالجة الرائحة في الدماغ، دوراً مركزياً في تكوّن واسترجاع الذكريات السيرذاتية، أي الأحداث الشخصية المعيشة في حياة الفرد، على عكس المعرفة العامة.
ولأن إشارات الرائحة تصل إلى المناطق المجاورة للحُصين بسرعة وبفلترة قليلة، وجد الباحثون الذين يدرسون استرجاع الذاكرة أن مثيرات الرائحة يمكن أن تكون فعالة بشكل استثنائي في إعادة تنشيط حلقات سيرذاتية محددة مقارنة بالمثيرات اللفظية أو حتى البصرية.
أظهرت بعض الدراسات التي استخدمت تصوير الدماغ نشاطاً أكبر في الحُصين واللوزة الدماغية حين استرجع المشاركون ذكريات أثارتها روائح مقارنة بذكريات أثارتها كلمات تصف الأحداث نفسها، رغم أن عينات هذا النوع من الأبحاث تميل لأن تكون محدودة الحجم.
لماذا تُعرف هذه الظاهرة أحياناً بـ«أثر بروست»
غالباً ما يُطلق على الرابطة بين الرائحة والذاكرة السيرذاتية الحية اسم «ظاهرة بروست»، نسبة إلى مقطع في رواية مارسيل بروست «بحثاً عن الزمن المفقود»، حيث يُغمر الراوي بذكريات الطفولة بعد تذوق كعكة المادلين المغموسة في الشاي.
استخدم علماء النفس المعرفي هذه الإشارة الأدبية لاحقاً كتسمية مختصرة لظواهر نفسية حقيقية وقابلة للقياس: تميل الذكريات المستحضَرة بالرائحة لأن تكون أقدم وأكثر عاطفية وأكثر حيوية من الذكريات المستحضَرة بمثيرات أخرى، وهو نمط وثّقه الباحثون تجريبياً وليس مجرد ملاحظة عابرة.
تجدر الإشارة إلى أن هذا المصطلح تسمية ثقافية مستعارة من الأدب، وليس تصنيفاً تشخيصياً رسمياً أو فئة بيولوجية بحتة، رغم أن الظاهرة الأساسية التي يصفها مبنية على علم أعصاب حقيقي.
ماذا وجدت الأبحاث المضبوطة فعلياً
أجرى باحثون مرتبطون بمؤسسات مثل مركز مونيل لعلوم الحواس الكيميائية وأقسام علم النفس في جامعات مختلفة دراسات مضبوطة تقارن الذكريات التي تثيرها الروائح والأصوات والصور من الأحداث الماضية نفسها.
من النتائج الثابتة عبر عدة دراسات من هذا النوع أن الذكريات المستحضَرة بالرائحة، رغم أنها ليست بالضرورة أكثر عدداً أو دقة، تُوصف بأنها أكثر شدة عاطفياً وغالباً ما تُؤرَّخ إلى فترات أبكر من الحياة، خصوصاً الطفولة والمراهقة، مقارنة بالذكريات التي تثيرها حواس أخرى.
يحذّر الباحثون عموماً من أن ذكريات الرائحة ليست بالضرورة أدق من غيرها؛ فالحيوية والشدة العاطفية ليستا مرادفتين للدقة الوقائعية، وقد وجد باحثو الذاكرة مراراً أن الذكريات الواثقة والعاطفية يمكن أن تحتوي تشوهات أيضاً.
لماذا تبدو روائح الطفولة أقوى تأثيراً
من الأنماط الموثقة جيداً في أبحاث الذاكرة السيرذاتية عموماً، وليس فقط في مجال الرائحة، ما يُعرف بـ«طفرة التذكر»: يميل البالغون لاستدعاء عدد غير متناسب من الذكريات الحية من فترة المراهقة وبداية الرشد مقارنة بفترات العمر الأخرى.
ولأن كثيراً من الروائح تُختبر وتُشحن عاطفياً بشكل جوهري خلال الطفولة والمراهقة، حين تكون أنظمة الذاكرة في الدماغ نشطة بشكل خاص أيضاً في تكوين ذكريات سيرذاتية دائمة، فإن كثيراً من أقوى روابط الرائحة-الذاكرة لدى الشخص تعود عادة إلى تلك الفترة نفسها من العمر.
هذا أحد أسباب أن رائحة نوع معين من مسحوق الغسيل، أو مطبخ أحد الأجداد، أو رائحة فصل دراسي في الطفولة، يمكن أن تبدو مؤثرة بشكل غير متناسب مقارنة برائحة اختُبرت لأول مرة في مرحلة البلوغ، حتى لو كانت الرائحة الأخيرة مميزة بالقدر نفسه موضوعياً.
التمييز بين المعرفة والاستدعاء
يميّز باحثو الذاكرة بين المعرفة، أي الشعور بأن شيئاً ما مألوف فقط، والاستدعاء، أي استرجاع تفاصيل محددة عنه بفعالية. تميل الرائحة لدعم معرفة قوية حتى حين يكون الاستدعاء ضعيفاً.
هذا يفسر لماذا يصف الناس غالباً شعوراً طاغياً بأن رائحة ما مألوفة وذات دلالة عاطفية عميقة، بينما يصارعون في الوقت نفسه لتحديد ماهيتها بدقة أو تثبيت الذكرى المحددة المرتبطة بها، أحياناً لعدة دقائق.
يبدو هذا النمط، أي المعرفة دون الاستدعاء، أكثر وضوحاً في الروائح منه في معظم المثيرات الحسية الأخرى، ويرى بعض الباحثين أن هذا دليل إضافي على أن معالجة الرائحة تُشغّل دوائر الذاكرة العاطفية بشكل مستقل نسبياً عن أنظمة الذاكرة اللفظية السردية المستخدمة في الاستدعاء الواعي.
لماذا يختبر بعض الناس هذا التأثير أكثر من غيرهم
لا يُبلّغ الجميع عن ذكريات مستحضَرة بالرائحة بالقوة نفسها، وقد حدد الباحثون عدة عوامل تبدو مؤثرة في مدى وضوح هذا التأثير لدى فرد معين.
أبلغت النساء، في المتوسط عبر عدة دراسات، عن ذكريات مستحضَرة بالرائحة أكثر تكراراً وأشد عاطفياً مقارنة بالرجال، رغم أن الأسباب الكامنة لا تزال محل نقاش وقد تتضمن مزيجاً من عوامل بيولوجية وثقافية بدلاً من سبب واحد واضح.
تبدو الفروق العامة في حساسية حاسة الشم، التي تتباين هي نفسها كثيراً بين الأفراد لأسباب وراثية وبيئية، مؤثرة أيضاً، إذ إن ضعف حاسة الشم عموماً يعني توفر مثيرات رائحة أقل وأقل تمايزاً لإثارة الذكريات أصلاً.
فقدان حاسة الشم وما يكشفه عن الذاكرة
يوفر فقدان حاسة الشم، الجزئي أو الكامل، للباحثين تجربة طبيعية غير معتادة لفهم ما يحدث للذاكرة والتجربة العاطفية حين تُزال هذه القناة الحسية تحديداً.
يبلّغ الأشخاص الذين يفقدون حاسة الشم، سواء بسبب مرض أو إصابة أو تقدم العمر، بشكل متكرر ليس فقط عن خسارة عملية (تفويت طعام فاسد أو تسرب غاز مثلاً) بل أيضاً عن نوع محدد من التسطح العاطفي أو الانفصال عن تجارب استحضار الذكريات التي كانوا يعتمدون عليها، ويصف بعضهم ذلك بأنه فقدان رابط ذي معنى بالماضي.
توفر هذه التجربة الذاتية، الموثقة في استطلاعات لأشخاص فقدوا حاسة الشم، دعماً غير مباشر لكنه مقنع نسبياً لفكرة أن الرابطة بين الشم والذاكرة ليست عرَضية بل تلعب دوراً وظيفياً حقيقياً في التجربة العاطفية والسيرذاتية اليومية.
هل يمكن خلق روابط رائحة-ذاكرة عمداً
ولأن روابط الرائحة-الذاكرة تتكون عبر التعلم العادي، أي ببساطة اقتران رائحة بتجربة معينة، يمكن من حيث المبدأ خلقها عمداً، وقد درس بعض باحثي النوم هذا مباشرة.
في مسار بحثي يُعرف أحياناً بإعادة التنشيط الموجَّه للذاكرة، أعاد علماء تعريض مشاركين نائمين لرائحة كانت حاضرة أثناء تعلمهم مهمة معينة في وقت سابق من اليوم، ووجدوا أن ذلك يمكن أن يعزز قياسياً احتفاظهم بتلك المهمة مقارنة بالنوم دون مثير الرائحة، وذلك ضمن إعدادات معملية مضبوطة.
تبقى هذه النتائج مجالاً بحثياً نشطاً وليست ممارسة مستقرة واسعة التطبيق، ويحرص الباحثون عموماً على عدم المبالغة في مدى موثوقية أو قوة هذه التقنية خارج بيئة المختبر المضبوطة.
تصميم العطور والتسويق وتجارة الحنين
اعتمد تصميم العطور والمنتجات التجارية طويلاً على الرابطة بين الرائحة والذاكرة، من سلاسل الفنادق التي تطور روائح مميزة بهدف بناء تعرّف على العلامة التجارية، إلى المتاجر التي تضخ روائح محددة لتشكيل المزاج وسلوك الإنفاق.
يجد الباحثون في التسويق بالرائحة عموماً أن الروائح المحيطية الممتعة والمناسبة يمكن أن تحسّن قياسياً كيف يُقيّم العملاء إيجابية بيئة تسوّق، وفي بعض الدراسات تؤثر بشكل متواضع على مدة البقاء أو الإنفاق، رغم أن أحجام الأثر المُبلّغ عنها في الأدبيات تتفاوت كثيراً حسب تصميم الدراسة والسياق.
ينبغي أن تكون الشركات حذرة من المبالغة في تسويق العلاقة بين الرائحة والسلوك باعتبارها رافعة سلوكية مضمونة؛ فالعلم العصبي الكامن حقيقي، لكن الأثر العملي الواقعي على قرارات الشراء أكثر تواضعاً عموماً مما توحي به أحياناً المواد الترويجية لشركات تسويق العطور.
مفاهيم خاطئة شائعة عن الرائحة والذاكرة
من المفاهيم الخاطئة الشائعة أن الذكريات المستحضَرة بالرائحة أدق دائماً من غيرها لمجرد أنها تبدو حية وفورية. الحيوية والدقة صفتان منفصلتان، وذكريات الرائحة عرضة لأنواع التشوه وإعادة البناء نفسها التي تتعرض لها أي ذكرى أخرى.
مفهوم خاطئ آخر هو أن الجميع يختبر الذاكرة المستحضَرة بالرائحة بالقوة نفسها. في الواقع، هناك تفاوت فردي ذو دلالة مرتبط بفروق في حساسية حاسة الشم والتجارب الحياتية السابقة، بل وحتى فروق قابلة للقياس في بنية الدماغ والترابط بين الجهاز الشمي ومناطق الذاكرة.
مفهوم خاطئ ثالث يعامل هذه الظاهرة على أنها صوفية أو غير قابلة للتفسير. ورغم أنها لا تزال مجالاً بحثياً نشطاً، خصوصاً فيما يتعلق بكيفية حدوث الوسم العاطفي على المستوى الخلوي بدقة، فإن الخطوط العريضة، أي مسار تشريحي قصير ومباشر يربط الشم بدوائر العاطفة والذاكرة، راسخة في علم الأعصاب السائد وليست تكهنات.
كيف يدرس الباحثون الذاكرة المرتبطة بالرائحة فعلياً
دراسة الذاكرة المستحضَرة بالرائحة تجريبياً أصعب مما يبدو، إذ يحتاج الباحثون للسيطرة على حقيقة أن الناس يتفاوتون كثيراً في الروائح ذات الدلالة الشخصية لديهم، على عكس قائمة كلمات أو مجموعة صور قياسية يمكن عرضها بشكل متطابق على كل مشارك.
تشمل المقاربات الشائعة تقديم روائح للمشاركين إلى جانب مثيرات محايدة كالكلمات أو صور الأحداث نفسها، ثم اختبار أي مثير ينتج استدعاء أسرع أو أكثر حيوية أو تقييماً عاطفياً أعلى لاحقاً، أحياناً بالاقتران مع تصوير الدماغ لمعرفة أي المناطق تنشط أكثر تحت كل شرط.
ولأن روابط الرائحة الشخصية فردية جداً، يعتمد جزء كبير من هذه الأبحاث أيضاً على دراسات اليوميات والمقابلات المنظمة، بحيث يُطلب من المشاركين وصف الذكريات المستحضَرة بالرائحة كما تحدث طبيعياً في الحياة اليومية، لا فقط في بيئة المختبر.
الفروق الثقافية في معنى الروائح
تتشكل الروائح التي تحمل دلالات عاطفية إيجابية أو سلبية قوية بشكل كبير عبر الثقافة والتعرض الشخصي، لا عبر أي خريطة عالمية فطرية تربط الرائحة بالمشاعر مبنية في الدماغ البشري.
وجدت دراسات مقارنة بين الثقافات لإدراك الرائحة أن المركّب الكيميائي نفسه يمكن أن يُقيَّم كممتع أو محايد أو غير ممتع اعتماداً بشكل كبير على الخلفية الثقافية للشخص وتعرضه السابق، إذ تميل الألفة نفسها لجعل رائحة ما تبدو أكثر إمتاعاً مع الوقت، وهو نمط يُسمى أحياناً أثر التعرض.
هذا يعني أن القوة المستحضِرة للذكريات لدى رائحة معينة، توابل محددة، أسلوب طهي، نبات إقليمي، غالباً ما تكون مرتبطة عميقاً بمكان وطريقة نشأة الشخص، وهو جزء من سبب كون روائح الطعام والمكان المحددة من أكثر مثيرات الذكريات الشخصية قوة التي يصفها الناس.
هذا التفاوت الثقافي يفسر أيضاً لماذا قد لا تحمل رائحة معينة أي معنى عاطفي خاص لدى شخص نشأ في بيئة مختلفة تماماً، بينما تكون مثيراً قوياً جداً لذكريات شخص آخر؛ فالرابطة ليست خاصية كيميائية ثابتة للرائحة نفسها بقدر ما هي نتاج تاريخ تعرض فردي وجماعي معاً.
أسئلة لا يزال العلم يبحث عن إجابات لها
رغم أن الخطوط العريضة لعلاقة الرائحة بالذاكرة راسخة علمياً، لا يزال الباحثون يعملون على فهم التفاصيل الدقيقة، مثل الآلية الجزيئية الدقيقة التي تربط تنشيط اللوزة الدماغية بترسيخ ذكرى معينة بدلاً من أخرى عند التعرض لرائحة واحدة.
سؤال آخر مفتوح يتعلق بمدى قابلية هذه الروابط للتغير مع الوقت؛ فبعض الأدلة الأولية تشير إلى أن المعنى العاطفي لرائحة معينة يمكن أن يتحول تدريجياً مع تكرار التعرض لها في سياقات جديدة، لكن الحجم الكامل لهذا التأثير وحدوده الزمنية ما زالا قيد الدراسة.
يهتم باحثون آخرون بتطبيقات عملية محتملة، مثل استخدام مثيرات الرائحة بحذر في برامج دعم الذاكرة لدى كبار السن أو في سياقات علاجية، وإن كانت هذه التطبيقات لا تزال في مراحل بحثية مبكرة نسبياً ولم تصل بعد إلى توصيات سريرية راسخة وواسعة الانتشار.
هناك أيضاً اهتمام متزايد بدراسة ما إذا كان ضعف حاسة الشم المرتبط بالتقدم في العمر، أو الذي يظهر أحياناً كعرض مبكر لبعض الحالات العصبية التنكسية، يمكن أن يُستخدم كمؤشر تشخيصي مساعد، وهو خط بحثي يجمع بين علم الأعصاب الشمي وأبحاث الشيخوخة الصحية بطريقة لم تكن شائعة قبل عقدين من الزمن.
يعود ميل روائح معينة لاستحضار ذكريات قوية ومشحونة عاطفياً في جوهره إلى التشريح: تصل الرائحة إلى مراكز العاطفة والذاكرة في الدماغ عبر مسار قصير ومباشر بشكل غير معتاد لا تشاركه الحواس الأخرى ببساطة. وفوق هذا التوصيل الأساسي تتراكب فروق فردية في الحساسية، وتوقيت تشفير الرائحة عاطفياً لأول مرة، غالباً في الطفولة، والآليات العادية لكيفية ارتباط الذاكرة والعاطفة معاً أثناء التعلم. لا يجعل شيء من هذا ذكريات الرائحة معصومة من الخطأ، لكنه يفسر لماذا يمكن لنفحة عابرة واحدة أن تبدو، للحظة، وكأنها سفر عبر الزمن.
المصادر
- مركز مونيل لعلوم الحواس الكيميائية — أبحاث عن الشم والتذوق وروابطهما بالذاكرة والعاطفة.
- المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة — أبحاث عن علم الأعصاب الشمي والمعالجة الحسية.
- الجمعية الأمريكية لعلم النفس — أبحاث عن الذاكرة السيرذاتية والعاطفة.
- معهد كارولينسكا — أبحاث في علم الأعصاب حول الجهاز الشمي والبُنى الدماغية المشاركة في الذاكرة.
الأسئلة الشائعة
لماذا تستحضر الروائح ذكريات أقوى من الحواس الأخرى؟
تسلك إشارات الرائحة مساراً تشريحياً قصيراً ومباشراً إلى اللوزة الدماغية والبُنى القريبة من الحُصين، وهما مركزا العاطفة والذاكرة في الدماغ، بخطوات معالجة أقل من البصر أو السمع.
ما هو «أثر بروست»؟
هو تسمية مستعارة من مشهد في كتابات مارسيل بروست لنمط نفسي موثّق جيداً، حيث تميل الذكريات المستحضَرة بالرائحة لأن تكون أقدم وأكثر عاطفية وأكثر حيوية من الذكريات التي تثيرها حواس أخرى.
لماذا أتعرّف على رائحة كمألوفة دون أن أستطيع تسميتها؟
التعرّف على رائحة كمألوفة وتسميتها بوعي عمليتان دماغيتان منفصلتان نوعاً ما، لذا يمكن أن يحدث تعرّف عاطفي قوي حتى حين يتأخر الاستدعاء اللفظي للرائحة أو الذكرى المحددة.
هل يؤثر فقدان حاسة الشم على الذاكرة؟
غالباً ما يُبلّغ الأشخاص الذين يفقدون حاسة الشم عن شعور بالانفصال العاطفي عن تجارب استحضار الذكريات التي كانوا يعتمدون عليها، ما يشير إلى أن الشم يلعب دوراً وظيفياً حقيقياً في الذاكرة اليومية.
هل يمكن خلق روابط رائحة-ذاكرة عمداً؟
نعم إلى حد ما؛ أظهر باحثو إعادة التنشيط الموجَّه للذاكرة أن إعادة تعريض مشاركين نائمين لرائحة مرتبطة بالتعلم يمكن أن تعزز الاحتفاظ بتلك المادة، رغم أن هذا لا يزال مجالاً بحثياً نشطاً.
عن الكاتب
نعتمد على مركز مونيل لعلوم الحواس الكيميائية، والمعاهد الوطنية الأمريكية للصحة، والجمعية الأمريكية لعلم النفس، ومعهد كارولينسكا لشرح خلفية وفهم هذا الموضوع.
هل أعجبك المقال؟
شارك عبر واتساب ← شارك عبر واتساب
احصل على المزيد من الأدلة في بريدك — اشترك في نشرتنا البريدية للحصول على قصص أسبوعية مثيرة للاهتمام من مصر والسعودية ودبي وأكثر.